سهيلة عبد الباعث الترجمان
518
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أعطاهم اللّه الفهم فيه بإعلام آخر أنزله في قلوبهم ، فكانت المسألة منه تعالى ، وشرحها منه تعالى فعرفوه به لا بنظرهم . . . " « 1 » . وقد حاول الشعراني أن يعضد قول ابن عربي في دفاعه مبينا ما ناله من المعلم الحقيقي لكل علم وهو " اللّه " ، إذ أن كرمه وجوده هو من باب العلم اللدنيّ الذي لا علم فوقه فقال : " لقد أنكر أهل الظاهر على الصوفية علمهم ، وابن عربي واحد من هؤلاء الذين تنكّر لهم أهل الظاهر لاعتقادهم أن أحدا لن ينال علما إلا على يد معلم ، وصدقوا في ذلك ، إذ أن القوم لما عملوا بما علموا أعطاهم اللّه تعالى علما من لدنه بإعلام ربّاني أنزله في قلوبهم مطابقا لما جاءت به الشريعة لا يخرج عنها ذرّة . وصدقوا هؤلاء المنكرين فيما قالوا أن العلم لا يكون إلا بواسطة معلّم . وأخطأوا في اعتقادهم أن اللّه تعالى لا يعلّم من ليس بنبيّ ولا رسول . قال تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ « 2 » والحكمة هي العلم ، ولكن هؤلاء المنكرون لمّا تركوا الزهد في الدنيا وآثروها على الآخرة على ما يقرّب إلى اللّه تعالى ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال ، حجبهم ذلك عن أن يعلموا أنّ للّه عبادا تولّى تعليمهم في سرائرهم ، إذ هو المعلم الحقيقي للوجود كله ، وعلمه هذا هو العلم الصحيح الذي لا يشك مؤمن ولا غير مؤمن في كماله " « 3 » . إذن فإن ابن عربي يستبعد الفكر والنظر في قضاياه ومسائله الإلهية ولا يعوّل عليها ، بل إن ما يراه هو أن العلوم الإلهية تتوالى على القلب لتحلّ فيه ، فهي من الواردات الإلهية ، ويحصل ذلك بطريق الخلوة والأذكار المشروعة لا بفكر ونظر فيقول : " لو كانت هذه العلوم نتيجة عن فكر ونظر لا نحصر الإنسان في أقرب مدة ، ولكنها موارد الحق تعالى تتوارد على قلب العبد وأرواح البررة ، وتتنزل عليهم من عالم غيبه برحمته التي من عنده . . . فإن استعد وتهيأ وصفّى مرآة قلبه وجلّاها حصل له الوهب على الدوام ، ويحصل له في اللحظة ما لا يقدر على تنفيذه في أزمنة . . . وقد
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 466 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 269 . ( 3 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، ص 16 .